جيرار جهامي ، سميح دغيم
807
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الخارج ، وتجميعية بالنسبة إلى الداخل . وهاتان الوظيفتان المتجادلتان غير ثابتتين . إذ إن الثقافة ليست هي المحدّد الوحيد للهويات الجماعية . فهناك أيضا الحضارة ، وقانون الحضارة هو ، إلى حدّ كبير ، غير قانون الثقافة . فهذه بطبيعتها انطوائية ، وميلها الأول هو إلى الداخل لإعطائه لحمته وتسويره . أما الحضارة فهي من طبيعة انفتاحية وتوسعية بالأحرى ، وقانونها هو السعي الدؤوب - طالما توافرت لها الحيوية - إلى إدماج أكبر عدد ممكن من الثقافات المحيطة تحت جناحها . وأوضح ما يكون اشتغال هذا القانون عندما تتحوّل الثقافة نفسها ، إذا ما واتتها الظروف ، إلى حضارة . ( طرابيشي ، النهضة والردة ، 158 ، 9 ) . - إذا صحّ أن كل ثقافة هي كيان متكامل ، وأن هذا التكامل يحصل لها بموجب استقلال أصولها ، صحّ معه أيضا أن التكامل لا يورّث أبدا صفة الكمال . فإن الثقافة ، وإن تكاملت أصولها ، فليست هي كاملة بذاتها ، بل إنه لو حدث أن تحوّل الشعور بالتكامل عند أهلها إلى الشعور بالكمال ، لأضرّ بهم وبغيرهم إضرارا ، إذ يولّد فيهم من قبيح الصفات والمسالك ، إن غرورا أو طغيانا ، ما يتأذّى به غيرهم إذاية . والواقع أن الثقافة ، كائنة ما كانت ، على تكاملها تبقى محتاجة إلى الاستزادة من تقوية أصولها وتعدية فروعها ، بل إن طلب هذه الزيادة هو الذي يضمن لها بقاء أصولها على حالها من الرسوخ وبقاء فروعها على حالها من التكاثر ، إذ هذا الطلب يمدّها بأسباب جديدة تمنع عن هذه الأصول والفروع من أن يدخل عليها التخلخل والائتكال . ( طه عبد الرحمن ، الفلسفة والترجمة ، 287 ، 22 ) . - الثقافة يمكن تعريفها بأنها مجموعة الظواهر الاجتماعية التي تنتمي إلى مستوى البناء العلوي فقط والتي تعتبر انعكاسا وتعبيرا مركّبا عن القاعدة الاقتصادية للمجتمع : النظريات والمذاهب السياسية ، والقانونية ، والاجتماعية ، الأدب ، الفنون ، العلم ، الفلسفة ، وقد يمتدّ تعريف الثقافة فيشمل عنصر الدين في حالة وجوده ، وهو في هذه الحالة يدخل عنصرا لا - عقليّا ، لا - علميّا ، ينتمي إلى مجال الإيديولوجية . وقد يمتدّ تعريفها أيضا إلى العناصر التكنيكية ، وفي هذه الحالة يقال إن الثقافة التي يشار إليها هي « الثقافة التكنيكية » ، أي نوع من الثقافة ، وليس الثقافة بمفهومها العام . والثقافة بمفهومها العام تشتمل على فئتين من العناصر : عناصر تقوم على أساس العقل في المقام الأول ، مثل النظريات والمذاهب السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية ، والعلوم الطبيعية والرياضية بفروعها ، والفلسفة بفروعها ( منطق ، نظرية معرفة ، أخلاق ، علم نفس ، فلسفة تاريخ ، تاريخ فلسفة ، علم جمال ، فلسفة علوم ، مناهج بحث ، إلخ . . . ) ، وعناصر تقوم على أساس الوجدان في المقام الأول ، وإن استعملت معطيات العقل والعلم إلى درجة غير قليلة ، مثل الأدب ، ثم الفنون على اختلافها ( موسيقى ، رقص ، رسم ، نحت ، زخرفة ، تصوير ، سينما ، إلخ ) . ( أنور عبد